{..الجَآدِلُ الحَربيّه..}
07-06-2009, 07:18 AM
الخلوج - الناقة التي فقدت صغيرها
عاشقة أنا لكل البداوة
ولكل حرف نطقه لسان بدوي
قرأت هذه القصيدة
فأحببت نقلها لكم
أرجو ان تنال رضاكم
فتحت نافذة قلبي على فضاءات من رمال الصحراء وهضاب من الشعر البدوي. أخفيت حزني والوجع الملعون الذي تسلَّل عبر شراييني ليغذِّي جسدي المثقل بتعب السنين. تربطني بالشعر البدوي علاقة حب وحزن مجهول، فكلما توجَّهت نحو الجنوب الغالي أصغيت إلى شاعر بدوي وهو يردِّد قصائده على أنَّات ربابة موجوعة الأوتار، شدَّني الوجد إليه، وثارت في داخلي أحاسيس غريبة. وكان ذلك البدوي المتمرِّد التائه في بيدائه، ألقى بأوجاعه فوق أهدابي الرمادية وغادر إلى ديار بعيده. أو أراد أن أكون في صحبته وسفره الطويل.
وكعادتي فتحت كتاب الشعر عند البدو ومعجم شعراء البادية لأقرأ نصوصاً من قصيدة عصماء من عيون الشعر. كان لقائي بالشاعر محمد بن عبدالله العوني، شاعر الحماسة والثأر، وقصيدته الخلوج - أي الناقة التي فقدت وليدها. والقصيدة من أشهر قصائده وقلَّ أن نجد من لا يحفظها من أهل البادية. ومناسبة القصيدة كما يقول الرواة، ذلك أنَّ أمراء عنيزة وأمراء بريدة كانوا جالين من حكم ابن رشيد وكان العوني معهم. وفي دمشق كان أهل القصيم المعروفين بدو عقيل قد طلبوا إلى العوني نظم قصيدة خاصة لاستثارة الهمم وطلب النجدة لإنقاذ القصيم. وقد أدَّت القصيدة إلى إثارة حمية القوم بعد أن سمعوها. فجمعوا الأموال والرجال والسلاح وساروا إلى القصيم لتحريرها.
وقد استوحى الشاعر قصيدته من حنين ناقة خلوج فقدت صغيرها.
يقول الشاعر في مطلع القصيدة: خلوج تجذ القلب بتلا عوالها (حنينها).
تكسر بعبرات تحطم سلالها (السيوف).
وهنا شبَّه الشاعر القصيم بالناقة التي فقدت رضيعها، وحنينها يقطع نياط القلب وعبراتها تكسر السيوف. ويمضي بالقول:.
تهيض مفجوع الضمير بحسها.
لطوَّحت حسّه تزايد هجالها (اضطرابها).
تثير الضماير بصوتها وتزيد اضطرابها عندما تنادي على وليدها.
وبعدها يواصل نشيده الحزين فيردِّد على مسمع قومه:.
هي أُمنا واحلوا مطعوم درها (حليبها).
غدتنا وربتنا وحنا عيالها.
إنَّ القصيم هي أمنا وما أحلى مذاق حليبها، فقد أرضعتنا وأطعمتنا ونحن أولادها.
برور بنا ما مثلها يكرم الضنا (الأبناء).
وصول بنا لكن نسينا وصالها.
إنها بارّة ولا أحد يكرم أبناءها كما فعلت، فهي حنونة قريبة ولكننا نسيناها. ويواصل العوني إنشاده:.
تلقي علينا الجوخ والشال فوقنا.
وهي عارية تبكي ولا أحد بكى لها.
وتلبسنا الحرير والشال، بينما هي عارية تبكي ولا نبكي لبكائها.
وهكذا يثير الشاعر قومه لأنهم تركوا ديارهم مثل أم تبكي وهي عارية لا منجد لها.
ويواصل الشاعر إنشاده أمام قومه وعشيرته في قصيدة لا مثيل لها من حيث المعاناة، عندما يخاطبها كما يخاطب ناقة فقدت وليدها، بأبيات من الشعر الحزين الباكي: خلوا البكا يا ناق عني يحلها.
بكيت بيض أيامها مع لياليها.
لو أن البكاء يعيدك إلينا لبكينا النهار مع الليل، ولكن:.
ولو البكا يا ناق يرجع الغايب.
بكيت لين العين ييبس ثمالها.
لو أن البكاء يرجع ما ذهب، فسأظل أبكي حتى تجف دموعي وتتحجَّر من كثرة البكاء مآقي.
وهكذا يواصل العوني في نظم قصيدته التي تقع في (76) بيتاً من التوصيف والفخر بقومه وأهله ويستثير هممهم وحميتهم لاسترجاع القصيم.
مير داركم من عقبكم تندب الثرى.
تبكي على الماضين واعز تالها.
وعندما يسأله قومه عن أخبار بلدان نجد، يقول لهم بأن جميع الديار يحرسها رجالها باستثناء داركم تبكي وتطلب النجدة والعون:.
لعبوا بها الأجناب لا رحم حيكم.
والبيض بالبلدان شتت لجالها.
إن نساءكم تقطعت بهن السبل في ديار الأجانب وقد طردهن الأعداء تائهات بعد أن فقدن رجالهن.
ويقول الراوي، بأن تأثير القصيدة كان كبيراً، حيث غضب قومه لكرامتهم وأعدوا للحرب عدّتها والخيول والرجال والسلاح وسارت جموعهم حتى وصلت إلى القصيم ودارت معارك شرسة وحرب ضروس سقط فيها المئات. وفي نهاية الحرب استعيدت القصيم. وهكذا قام الشعر بدوره الوطني في تحرير الأرض، فهل يقوم الشعر الفصيح أو الشعر النبطي اليوم بدوره في إثارة الحمية واستعادة الأرض؟ من يدري؟
د. سليمان عربيات
عاشقة أنا لكل البداوة
ولكل حرف نطقه لسان بدوي
قرأت هذه القصيدة
فأحببت نقلها لكم
أرجو ان تنال رضاكم
فتحت نافذة قلبي على فضاءات من رمال الصحراء وهضاب من الشعر البدوي. أخفيت حزني والوجع الملعون الذي تسلَّل عبر شراييني ليغذِّي جسدي المثقل بتعب السنين. تربطني بالشعر البدوي علاقة حب وحزن مجهول، فكلما توجَّهت نحو الجنوب الغالي أصغيت إلى شاعر بدوي وهو يردِّد قصائده على أنَّات ربابة موجوعة الأوتار، شدَّني الوجد إليه، وثارت في داخلي أحاسيس غريبة. وكان ذلك البدوي المتمرِّد التائه في بيدائه، ألقى بأوجاعه فوق أهدابي الرمادية وغادر إلى ديار بعيده. أو أراد أن أكون في صحبته وسفره الطويل.
وكعادتي فتحت كتاب الشعر عند البدو ومعجم شعراء البادية لأقرأ نصوصاً من قصيدة عصماء من عيون الشعر. كان لقائي بالشاعر محمد بن عبدالله العوني، شاعر الحماسة والثأر، وقصيدته الخلوج - أي الناقة التي فقدت وليدها. والقصيدة من أشهر قصائده وقلَّ أن نجد من لا يحفظها من أهل البادية. ومناسبة القصيدة كما يقول الرواة، ذلك أنَّ أمراء عنيزة وأمراء بريدة كانوا جالين من حكم ابن رشيد وكان العوني معهم. وفي دمشق كان أهل القصيم المعروفين بدو عقيل قد طلبوا إلى العوني نظم قصيدة خاصة لاستثارة الهمم وطلب النجدة لإنقاذ القصيم. وقد أدَّت القصيدة إلى إثارة حمية القوم بعد أن سمعوها. فجمعوا الأموال والرجال والسلاح وساروا إلى القصيم لتحريرها.
وقد استوحى الشاعر قصيدته من حنين ناقة خلوج فقدت صغيرها.
يقول الشاعر في مطلع القصيدة: خلوج تجذ القلب بتلا عوالها (حنينها).
تكسر بعبرات تحطم سلالها (السيوف).
وهنا شبَّه الشاعر القصيم بالناقة التي فقدت رضيعها، وحنينها يقطع نياط القلب وعبراتها تكسر السيوف. ويمضي بالقول:.
تهيض مفجوع الضمير بحسها.
لطوَّحت حسّه تزايد هجالها (اضطرابها).
تثير الضماير بصوتها وتزيد اضطرابها عندما تنادي على وليدها.
وبعدها يواصل نشيده الحزين فيردِّد على مسمع قومه:.
هي أُمنا واحلوا مطعوم درها (حليبها).
غدتنا وربتنا وحنا عيالها.
إنَّ القصيم هي أمنا وما أحلى مذاق حليبها، فقد أرضعتنا وأطعمتنا ونحن أولادها.
برور بنا ما مثلها يكرم الضنا (الأبناء).
وصول بنا لكن نسينا وصالها.
إنها بارّة ولا أحد يكرم أبناءها كما فعلت، فهي حنونة قريبة ولكننا نسيناها. ويواصل العوني إنشاده:.
تلقي علينا الجوخ والشال فوقنا.
وهي عارية تبكي ولا أحد بكى لها.
وتلبسنا الحرير والشال، بينما هي عارية تبكي ولا نبكي لبكائها.
وهكذا يثير الشاعر قومه لأنهم تركوا ديارهم مثل أم تبكي وهي عارية لا منجد لها.
ويواصل الشاعر إنشاده أمام قومه وعشيرته في قصيدة لا مثيل لها من حيث المعاناة، عندما يخاطبها كما يخاطب ناقة فقدت وليدها، بأبيات من الشعر الحزين الباكي: خلوا البكا يا ناق عني يحلها.
بكيت بيض أيامها مع لياليها.
لو أن البكاء يعيدك إلينا لبكينا النهار مع الليل، ولكن:.
ولو البكا يا ناق يرجع الغايب.
بكيت لين العين ييبس ثمالها.
لو أن البكاء يرجع ما ذهب، فسأظل أبكي حتى تجف دموعي وتتحجَّر من كثرة البكاء مآقي.
وهكذا يواصل العوني في نظم قصيدته التي تقع في (76) بيتاً من التوصيف والفخر بقومه وأهله ويستثير هممهم وحميتهم لاسترجاع القصيم.
مير داركم من عقبكم تندب الثرى.
تبكي على الماضين واعز تالها.
وعندما يسأله قومه عن أخبار بلدان نجد، يقول لهم بأن جميع الديار يحرسها رجالها باستثناء داركم تبكي وتطلب النجدة والعون:.
لعبوا بها الأجناب لا رحم حيكم.
والبيض بالبلدان شتت لجالها.
إن نساءكم تقطعت بهن السبل في ديار الأجانب وقد طردهن الأعداء تائهات بعد أن فقدن رجالهن.
ويقول الراوي، بأن تأثير القصيدة كان كبيراً، حيث غضب قومه لكرامتهم وأعدوا للحرب عدّتها والخيول والرجال والسلاح وسارت جموعهم حتى وصلت إلى القصيم ودارت معارك شرسة وحرب ضروس سقط فيها المئات. وفي نهاية الحرب استعيدت القصيم. وهكذا قام الشعر بدوره الوطني في تحرير الأرض، فهل يقوم الشعر الفصيح أو الشعر النبطي اليوم بدوره في إثارة الحمية واستعادة الأرض؟ من يدري؟
د. سليمان عربيات